القاضي عبد الجبار الهمذاني
151
المغني في أبواب التوحيد والعدل
نعلم أن غيرنا عالم بها من جهة الأفعال ، وإنما نعرفه عالما من الوجه الّذي بيناه ؛ فمتى لم تصح هذه الطريقة بطل أن نعلم أن غيرنا عالم ، البتة ؛ ولو بطل ذلك لما صح أن نفرّق بين العقلاء وغيرهم ؛ ولما صح أن نعلم غيرنا كاذبا فيما يجحده من المعرفة ؛ وقد صح أنا نعلم في العقلاء أنهم كاذبون إذا جحدوا المشاهدات أو غيرها ، مما حصل فيهم طريق المعرفة به ؛ وقد بينا في باب « الأخبار » أنها بهذه الصفة ، لأنا لو لم نعلم أن المشاركة في سماعها تقتضى المشاركة في المعرفة بمخبر للأخبار ، لم نعلم أحدا كاذبا في إنكاره أن يعلم أن في الدنيا مكة ، وخراسان ، إلى غير ذلك : فلما حصل لنا العلم بذلك علم بوجود المشاركة ، في طريقة وجوب المشاركة ، في هذه المعرفة ، وحلت الأخبار محل المشاهدات ، في هذا الباب ؛ فكما أن المشاهد للرسول عليه السلام يعلم أن غيره إذا شاركه في المشاهدة فلا بدّ من أن يساويه في المعرفة ، فكذلك القول فيمن يعرفه ، عليه السلام ، بالأخبار ؛ وكذلك القول في القرآن ، الّذي أدّاه إليهم ، صلى اللّه عليه ، وتلاه عليهم . * * * ونحن نعود الآن بعد هذه المقدّمات إلى ذكر الغرض فنقول : إن الأمور التي تتناولها المشاهدة من حال النبي ، صلى اللّه عليه ، وحال القرآن ، لا بدّ من أن تكون معلومة بالخبر اضطرارا ، لأنه مما لا دليل عليه ، وإنما يستدل على أحوالها ، في تعلقها بما تتعلق به ، فلذلك كان العلم بنفس محمد ، صلى اللّه عليه ، وأنه كان بمكة ، وهاجر إلى المدينة ، وادّعى النبوّة ، من باب الاضطرار ؛ وكذلك العلم بنفس القرآن ، وأنه ظهر منه وعليه ، وأنه جعله دلالة على نبوّته ، ووقع منه ما يجرى مجرى التحدّى ؛ لأن هذه الأمور لا مجال للاستدلال فيها ، وإنما تعرف بالاضطرار ، وما يجرى مجراه ؛ وإنما يحتاج إلى الاستدلال في أن ما ادّعاه دلالة ، هل هو دلالة أم لا ؟ ، إلى سائر ما نذكره في هذا الباب .